الأحد، 3 أبريل 2016

جولة في الظلال (الفتى السني)

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)
"
إنها جولة قصيرة حول قضية الشرك والتوحيد . ولكنها جولة تطوّف بالقلب البشري في مجال الوجود كله . ظاهره وخافيه . حاضره وغيبه . سمائه وأرضه . دنياه وآخرته . وتقف به مواقف مرهوبة ترجف فيها الأوصال ; ويغشاها الذهول من الجلال . كما تقف به أمام رزقه وكسبه , وحسابه وجزائه . وفي زحمة التجمع والاختلاط , وفي موقف الفصل والعزل والتميز والانفراد . . كل أولئك في إيقاعات قوية , وفواصل متلاحقة , وضربات كأنها المطارق:(قل . . قل . . قل . .)كل قولة منها تدمغ بالحجة , وتصدع بالبرهان في قوة وسلطان .  
(قل:ادعوا الذين زعمتم من دون الله . لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض , وما لهم فيهما من شرك , وما له منهم من ظهير). .
إنه التحدي في مجال السماوات والأرض على الإطلاق:
(قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله). .
ادعوهم . فليأتوا . وليظهروا . وليقولوا أو لتقولوا أنتم ماذا يملكون من شيء في السماوات أو في الأرض جل أو هان ?
(لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض). .
ولا سبيل لأن يدعوا ملكية شيء في السماوات أو في الأرض . فالمالك لشيء يتصرف فيه وفق مشيئته . فماذا يملك أولئك المزعومون من دون الله ? وفي أي شيء يتصرفون تصرف المالك في هذا الكون العريض ?
لا يملكون في السماوات والأرض مثقال ذرة ملكية خالصة , ولا على سبيل المشاركة:
(وما لهم فيهما من شرك). .
والله - سبحانه - لا يستعين بهم في شيء . فما هو في حاجة إلى معين:
(وما له منهم من ظهير). .
ويظهر أن الآية هنا تشير إلى نوع خاص من الشركاء المزعومين . وهم الملائكة الذين كانت العرب تدعوهم بنات الله ; وتزعم لهم شفاعة عند الله . ولعلهم ممن قالوا عنهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى). . ومن ثم نفى شفاعتهم لهم في الآية التالية . وذلك في مشهد تتفزع له الأوصال في حضرة ذي الجلال:
(ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له). .
فالشفاعة مرهونة بإذن الله . والله لا يأذن في الشفاعة في غير المؤمنين به المستحقين لرحمته . فأما الذين يشركون به فليسوا أهلا لأن يأذن بالشفاعة فيهم , لا للملائكة ولا لغيرهم من المأذونين بالشفاعة منذ الابتداء !
ثم صور المشهد الذي تقع فيه الشفاعة ; وهو مشهد مذهل مرهوب:
(حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا:ماذا قال ربكم ? قالوا:الحق وهو العلي الكبير). .
إنه مشهد في اليوم العصيب . يوم يقف الناس , وينتظر الشفعاء والمشفوع فيهم أن يتأذن ذو الجلال في عليائه بالشفاعة لمن ينالون هذا المقام . ويطول الانتظار . ويطول التوقع . وتعنو الوجوه . وتسكن الأصوات . وتخشع القلوب في انتظار الإذن من ذي الجلال والإكرام .
ثم تصدر الكلمة الجليلة الرهيبة , فتنتاب الرهبة الشافعين والمشفوعين لهم . ويتوقف إدراكهم عن الإدراك .
(حتى إذا فزّع عن قلوبهم). . وكشف الفزع الذي أصابهم , وأفاقوا من الروعة التي غمرتهم فأذهلتهم . (قالوا:ما ذا قال ربكم ?)يقولها بعضهم لبعض . لعل منهم من يكون قد تماسك حتى وعى . (قالوا:الحق). . ولعلهم الملائكة المقربون هم الذين يجيبون بهذه الكلمة المجملة الجامعة: (قالوا الحق). قال ربكم:الحق . الحق الكلي . الحق الأزلي . الحق اللدني . فكل قوله الحق . (وهو العلي الكبير). . وصف في المقام الذي يتمثل فيه العلو والكبر للإدراك من قريب . .
وهذه الإجابة المجملة تشي بالروعة الغامرة , التي لا ينطق فيها إلا بالكلمة الواحدة !
فهذا هو موقف الشفاعة المرهوب . وهذه صورة الملائكة فيه بين يدي ربهم . فهل بعد هذا المشهد يملك أحد أن يزعم أنهم شركاء لله , شفعاء في من يشرك بالله ?! 
|
(قل من يرزقكم من السماوات والأرض . . قل الله . وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين). .
والرزق مسألة واقعة في حياتهم . رزق السماء من مطر وحرارة وضوء ونور . . ذلك فيما كان يعرفه المخاطبون
ووراءه كثير من الأصناف والألوان تتكشف آناً بعد آن . . ورزق الأرض من نبات وحيوان وعيون ماء وزيوت ومعادن وكنوز . . وغيرها مما يعرفه القدامى ويتكشف غيره على مدار الزمان . .
(قل:من يرزقكم من السماوات والأرض ?). .
قل:الله . .
فما يملكون أن يماروا في هذا ولا أن يدعوا سواه .
قل:الله . ثم كل أمرهم وأمرك إلى الله . فأحدكما لا بد مهتد وأحدكما لا بد ضال . ولا يمكن أن تكون أنت وهم على طريق واحد من هدى أو من ضلال:
(وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين). .
وهذه غاية النصفة والاعتدال والأدب في الجدال . أن يقول رسول الله [ ص ] للمشركين:إن أحدنا لا بد أن يكون على هدى , والآخر لا بد أن يكون على ضلال . ثم يدع تحديد المهتدي منهما والضال . ليثير التدبر والتفكر في هدوء لا تغشى عليه العزة بالإثم , والرغبة في الجدال والمحال ! فإنما هو هاد ومعلم , يبتغي هداهم وإرشادهم لا إذلالهم وإفحامهم , لمجرد الإذلال والإفحام !
الجدل على هذا النحو المهذب الموحي أقرب إلى لمس قلوب المستكبرين المعاندين المتطاولين بالجاه والمقام , المستكبرين على الإذعان والاستسلام , وأجدر بأن يثير التدبر الهادىء والاقتناع العميق . وهو نموذج من أدب الجدل ينبغي تدبره من الدعاة . . 
(قل:لا تسألون عما أجرمنا , ولا نسأل عما تعملون). .
ولعل هذا كان رداً على اتهام المشركين بأن الرسول [ ص ] ومن معه هم المخطئون الجارمون ! وقد كانوا يسمونهم:(الصابئين)أي المرتدين عن دين الآباء والأجداد . وذلك كما يقع من أهل الباطل أن يتهموا أهل الحق بالضلال ! في تبجح وفي غير ما استحياء !
(قل:لا تسألون عما أجرمنا , ولا نسأل عما تعملون). .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق